0

السعوديون وجلد الذات الاقتصادي

الخطيب-مهمة

كأن المملكة لا يكفيها الحملات الخارجية من كل الأنواع التي تتعرض لها حتى تجد نفسها في موقع المتهم اقتصاديا من بعض أصحاب الرأي الاقتصادي الذين من المفترض أن يكونوا على علم أكثر من غيرهم بالأوضاع الاقتصادية والدورات التاريخية لها. والمؤسف أننا نجد الكثير من المتابعين ينساقون خلف تلك الآراء ويرددونها بدون فهم. لو بحثنا قليلا لوجدنا أن معظم من يردد تلك الآراء بدون دراية إنما يفعل ذلك لأنه خسر في سوق الأسهم بسبب طمعه وأيضا لدخوله في مجال لا يفهمه، رمى أمواله فيه على أمل الثراء السريع بكامل وعيه وإدراكه.
يتحول ذلك الشخص فجأة إلى خبير في الخطط الاستراتيجية ومحلل لأسواق النفط بل ويعطينا آراء في الاستثمار السيادي الطويل الأجل على الرغم من أنه على مستواه الصغير جدا فعل عكس ذلك تماما في سوق الأسهم. بعد ذلك يستشهد بتقارير لمنظمات ومؤسسات دولية بالإضافة الى المقارنة مع دول أخرى. يقول لك مثلا: أنظر إلى النرويج كيف استثمروا في الصندوق السيادي ويتغنى به. لكن للأسف هو يردد معلومات ويكون آراء بدون أدنى معرفة في تلك المجالات.
مساحة النرويج هي 15% من مساحة المملكة أي حوالي 6 أضعاف، وذلك مشابه للفرق في عدد السكان حيث يبلغ عدد سكان النرويج 16% من سكان المملكة. جغرافيا، تقع النرويج في أقصى الشمال الغربي لأوروبا حيث محاربة الدفء والصقيع من أهم أولويات النرويجيين، مقارنة مع المملكة التي تقع في قلب أسخن منطقة في العالم حيث الحروب من نوع مختلف عن محاربة البرد. من قلب منطقة الشرق الأوسط عايشت المملكة كل الخضات والنزاعات التي لا تنتهي على الأقل منذ عام 1948. النرويج أيضا لا تتعرض منذ سبتمبر 2001 إلى حملات لا تنتهي كلفتها ومازالت تكلفها الشيء الكثير.
لست في وارد الخوض في المواضيع السياسية، لكني أذكر ذلك للتذكير بأن الموقع الجغرافي مكلف جدا على مر السنوات حيث اضطرت المملكة للعب دور فاعل ومؤثر حفاظا على أمنها واستقرارها ومصالحها. ما سبق يوضع في سياق الاختلاف من حيث الحجم وبالتالي الفرق الكبير جدا من حيث المسؤوليات والتكاليف بالإضافة إلى إدارة المخاطر المستقبلية التي تنتهي لأسباب لا يمكن لوم أصحاب القرار بسببها.
اخر المواضيع التي تم تداولها مؤخرا كان تقرير وكالة فيتش عن اقتصاد المملكة حيث غيرت النظرة المستقبلية من مستقرة إلى سلبية والذي ترافق مع هبوط قوي في أسواق الأسهم فعادت ذات نغمات التشكيك والانتقاد من جديد. لو سألنا أي شخص لا علاقة له بالاقتصاد عن توقعاته للمستقبل القريب في ظل انخفاض أسعار النفط وطلبنا منه أن يختار الاستقرار أو السلبية لاختار بكل تأكيد الخيار الثاني، فماذا نتوقع من وكالة تصنيف.
أكاد أجزم أن معظم من يستشهد بالتقرير بشكل سلبي لم يقرأه ولا حتى يمكنه فهمه لو قرأه. المهم في التقرير هو تثبيت التصنيف الائتماني للمملكة وهو المؤثر فعليا في المستقبل لأنه يحدد إمكانية الدولة على الاستدانة وإصدار السندات لتغطية أي عجز قادم. وللتوضيح فإن تصنيف المملكة الائتماني هو نفسه لدول مثل فرنسا وبلجيكا وأعلى من تصنيف دول مثل كوريا الجنوبية واليابان واسبانيا. أما من ناحية الاحتياطي النقدي فالسعودية تمتلك ثالث احتياطي على مستوى العالم.
ماذا يعني كل ذلك؟
باختصار يعني أن الاقتصاد السعودي يمتلك مقومات وركائز لإدارة أي أزمة محتملة أكثر بكثير من دول تعتبر متقدمة وعريقة في المجال الاقتصادي. وهذا كله لم يأت من فراغ أو صدفة بل هو الإجابة لمن يسأل عن ماذا فعلت السعودية عبر السنوات لمواجهة أوضاع مشابهة؟. أضيف إلى ذلك وجود بنك مركزي قوي جدا أي مؤسسة النقد التي صنعت عبر السنين قطاعا مصرفيا متينا لا يتعرض للهزات بسهولة. وأشدد على النقطة الأخيرة كون الأزمات في مختلف الدول تتسارع وتتحول إلى انهيار بسبب تدهور أوضاع مصارفها وعدم قدرتها على الصمود. وهذا العامل القوي في السعودية يجب عدم الاستهانة به أبدا.
لدى الاقتصاد السعودي أيضا قطاعات عديدة عملاقة ومهمة جدا ومغرية بشكل كبير للمستثمرين عند طرحها للتخصيص أو التوسع في الوقت المناسب مما يوفر أموالا طائلة من الانفاق الحكومي كما حصل في السابق في قطاعات معينة. تلك القطاعات تشمل الخدمات المالية والاتصالات والكهرباء وغيرها. الشركات الضخمة جدا الموجودة لم تنشأ في يوم وليلة وليس الهدف منها المضاربة في أسهمها فقط بل هي التي تشكل القاعدة الاقتصادية التي تنمو باستمرار.
ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو كما ذكرت كل ما بدأ يتردد عن ضعف الاقتصاد ومهاجمة كل شيء لمجرد أن الأسهم انخفضت أسعارها لأسباب خارجية متعلقة بالنفط والاقتصاد العالمي أي أن أساسيات الاقتصاد لم تتغير لتبرر ذلك الهبوط وبالتالي الهجوم. اقتصاد مثل هذا جدير بالدعم والمشاركة في تنميته وليس جلده ذاتيا من الداخل.

المصدر : صحيفة مال الاقتصادية