0

ماذا سيحصل لو غادرت اليونان منطقة اليورو ؟

اليونان واليورو

لم يحدث بعد في أي وقت مضى أن تركت أي دولة الاتحاد الأوروبي. اليونان وشركاؤها الأوروبيين بالكاد يريدون هذه النتيجة. ومع ذلك وبقدر ما توجد إمكانية لمغادرة اليونان الاتحاد الأوروبي، دعونا نرى ما الأثر الذي سيحدث على اقتصاد اليونان والاتحاد الأوروبي والعملة الأوروبية ككل، وكذلك على الأعمال الدولية ومناخ التجارة العالمية بشكل عام.

على المستوى السياسي: خروج اليونان سوف يضعف فكرة أن مشروع اليورو لا رجعة فيه، ويمكن لهذه الخطوة أن تعطي دفعة قوية لتلك القوى السياسية والتيارات اليسارية المكافحة لليورو والمضادة للاتحاد الأوروبي في بلدان أخرى، مثل تلك الموجودة في اسبانيا والبرتغال، والتي أرهقتها برامج التقشف الاقتصادي وأتعبتها سياسات الاتحاد الأوروبي في تقويض الانفاق. ولا ننسى الزيادة في القوة والتكتل الروسي في أوروبا وتقوية وجوده عالمياً ضد أمريكا وبريطانيا والذي كان قد دعى اليونان إلى اللجوء إليه وقدم مساعدات كلامية وليست فعلية عن تقديم قروض وأموال ودعم مقابل خروج اليونان، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تستطيع روسيا فعلاً وفي ظل الظروف الاقتصادية السيئة التي تعيشها بسبب انخفاض أسعار النفط وأزمة أوكرانيا ومتابعة تطورات الشرق الأوسط أن تساعد اليونان وتسد ديونه ؟؟ نعتقد أن فوائد هذا الدين سيكون عظيماً ومن الصعب أن تسدده اليونان لروسيا إن حصل.

على المستوى اليوناني: قد تنخفض مستويات المعيشة بنسبة 80٪ في غضون أسابيع قليلة من الخروج. السلطات اليونانية ببساطة سوف تنفذ من اليورو، كما أنه ستكون غير قادرة على الاقتراض من أي شخص ولا حتى من الحكومات الأوروبية الأخرى. ان الحكومة اليونانية قد تضطر إلى دفع الفوائد الاجتماعية ورواتب القطاع العام في صورة سندات ديون -هذا إذا كان يدفع لهم بالأساس- حتى يمكن إدخال عملة جديدة إلى اليونان غير اليورو مثل العودة إلى الدراخما عملة اليونان سابقاً. سداد الديون لن يكون ممكنا، والتي تصل الآن إلى ما مجموعه نحو 320 مليار يورو، والتي بمعظمها مستحقة للحكومات ولوكالات أوروبية ولصندوق النقد الدولي. سيتحتم على الحكومة اليونانية عندها فرض تجميد على عمليات السحب المصرفية على الناس بغية عدم أخذ المال خارج البلاد. وهذا يمكن أن يؤدي إلى اصطفاف طوابير من اليونانيين العاديين في محاولة لتفريغ حساباتهم المصرفية قبل أن يحصل ويحدث تحويلها إلى عملة جديدة بقيمة أقل بكثير من سابقتها وبالتالي تخسر قيمتها السعرية الحقيقية. ولكن على المدى الطويل بالنسبة لليونان، فإن وجود سعر صرف عالي للعملة الجديدة ذو أكثر تنافسية قد تكون ميزة كبيرة بالنسبة لليونان ولكن انخفاض قيمة اليورو مقابلها لن يحل المشاكل الأساسية في الاقتصاد، بما في ذلك ضعف تحصيل الضرائب والصراع الذي سينشب للسيطرة على الإنفاق الحكومي عداكم عن إمكانية حصول زيادة حقيقية في التضخم هذا بالإضافة إلى الايرادات الضريبية التي ربما قد تنخفض وتؤدي حتمياً إلى انكماش الاقتصاد، وبالتالي فإن الحكومة قد تضطر إلى تمويل الإنفاق عن طريق طباعة النقود. ان انخفاض قيمة العملة المحتمل أيضا من شأنه أن يجعل السلع المستوردة – التي تتضمن الكثير من الغذاء والدواء بالنسبة لليونان- أكثر تكلفة مماسبق بسبب الزيادة المؤكدة التي ستحدث في التضخم.

على المستوى الأوروبي: هناك خطر من أن رحيل اليونان من منطقة اليورو قد يسبب الضرر الاقتصادي على نطاق أوسع، ولكن يعتقد أن الخطر أقل عموما عن تلك المخاوف التي ثارت عام 2012 وأدت إلى سقوط في اسواق الأسهم العالمية وارتفاع هائل لفوائد السندات السيادية العالمية. إن الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي تشكل عنصرا رئيسيا وراء هذا التغيير. أولا وقبل كل شيء، هناك التزام البنك المركزي الأوروبي تجاه القيام “بكل ما يلزم للحفاظ على اليورو”. وقد يتوسع هذا الوعد، الذي أدلى به رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي في يوليو 2012، في وقت لاحق ليشمل الالتزام بشراء ديون الحكومات التي يوجد مخاوف منهم لمغادرة اليورو بسبب تكاليف الاقتراض المقدمة من المركزي الأوروبي لهم. وعلى الرغم من أن البنك المركزي لم يتصرف على أساس هذا الوعد حتى الآن، ولكن وجوده يكفي لتهدئة الأسواق المالية في منطقة اليورو. البنك المركزي الأوروبي يمكن أن يستخدم مثل هذه المبادرة إذا كانت المخاوف كبيرة وآيلة إلى الظهور من جديد في أعقاب خروج اليونان.
في يناير الماضي كان البنك المركزي الأوروبي قد أعلن عن برنامج التيسير الكمي – برنامج شراء الديون والسندات الحكومية والخاصة في منطقة اليورو- هذه الخطوة لا تستهدف البلدان الضعيفة ماليا فقط، لأن التوقعات قد خفضت بالفعل تكاليف الاقتراض الحكومي، والتي بقيت منخفضة جدا لجميع دول منطقة اليورو (كما يدل سوق السندات) باستثناء اليونان. وهكذا، إذا لم تخرج اليونان حقا من الاتحاد الأوروبي وبقيت فيه، فلا يمكن استبعاد العدوى المالية والضعف الاقتصادي الموجود عندها من التسرب إلى باقي أعضاء الاتحاد وقد لايكون أمر احتواء تلك العدوى أمراً يسيراً أو هيناً على سادة البنك المركزي الأوروبي حينها. وبالتالي فإن المودعين وأصحاب الحسابات البنكية في باقي دول منطقة اليورو التي تكافح وتتذمر من سياسات التقشف مثل إسبانيا أو إيطاليا سيكونون في بالغ الحدة والعصبية والغضب، ويتوقع عندها أن يبادروا بنقل أموالهم إلى إلى أمان وسلامة المصارف الألمانية وأن يفتحوا حسابات بنكية في ألمانيا ويؤدوا بذلك إلى قيادة أزمة مصرفية قائمة في جنوب أوروبا نحو ألمانيا الغنية والمستقرة مالياً، ويمكن أيضا أن تتأثر بنوك اخرى مثل البنوك الفرنسية والبنوك الاسكندنافية عموماً وأن تحدث أزمة جديدة يمكن تصور انتشارها في جميع أنحاء العالم، تماما كما فعلت الأزمة المصرفية عالمياً في عام 2008.

على صعيد الشركات والأعمال: خروج اليونان من منطقة اليورو سيكون كارثة بالنسبة للشركات في اليونان. سيتم تحويل بعض العقود التي يحكمها القانون اليوناني إلى عملة جديدة، في حين أن غيرها من عقود القانون الأجنبي ستبقى باليورو. النزاعات القانونية حول ما إذا كان ينبغي تحويلها إلى العملة الجديدة أو لا يمكن أن تتبع وتتفاقم وتصبح نزاعات قضائية دولية تعرقل مسيرة الاقتصاد الأوروبي والعالمي حتى بحسب حجم تلك العقود طبعاً. الشركات اليونانية الذين لا تزال مدينة بديون كبيرة بعملة اليورو إلى المقرضين الأجانب لن تكون قادرة على سداد ديونها بسبب عدم القدرة إلى تحويلها إلى عملة غير اليورو أوتخفيض قيمة تلك الديون، الأمر الذي قد يؤدي إلى الإفلاس بالنسبة لتلك الشركات ووقوع المقرضين الأجانب وشركاء الأعمال الأوروبيين في خسائر كبيرة فعلية، وأن تتوسع المخاوف إلى منطقة اليورووأن تضر بالأعمال التجارية أوروبياً ثم عالمياً، وبذلك يخشى على مستقبل اليورو من قلة من الاستثمار، في حين أن الناس العاديين قد تخفض قيم الإنفاق الخاصة بهم. وكل هذا قد يدفع منطقة اليورو إلى الركود الاقتصادي بعد أن تعيش حالة الانكماش بالطبع.

بالنسبة للعملة الأوروبية الموحدة: اليورو سوف يفقد الكثير من قيمته في أسواق العملات، الأمر الذي قد يوفر بعض الراحة لمنطقة اليورو من خلال جعل صادراتها أكثر قدرة على المنافسة في التجارة الدولية، ولكن في المقابل سيكون هناك ضرر على الاتحاد الأوروبي بسبب الواردات من بقية العالم التي سوف تصبح أكثر تكلفة – وخاصة تلك القادمة من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة واليابان- وبالتالي سوف يختل ميزان التجارة والحسابات وسوف يبتعد التضخم عن مستوياته واهدافه المحددة وبالتالي ستدخل أوروبا في حالة من الانكماش الاقتصادي وتصبح فعلاً “القارة العجوز”. عندها فعلاً سوف تنشب حرب عملات حقيقية تكون فيها البنوك المركزية أطرافاً مباشرة وسيضيع في تلك الحرب صغار المستثمرين بسبب التقلبات السعرية الكثيرة فأسواق الصرف ووجود التطير الكبير في اتجاهات الأسواق والأسعار.

فهل سيغامر أسياد المال الأوروبيون وعلى رأسهم القادة الألمان بخروج ومغادرة اليونان من الاتحاد الأوروبي ؟

عبد الوهاب العاني