0

قراءة فى سياسة النفط بالمملكة السعودية

نفط

 

تميز التعامل مع ملف النفط بالمملكة العربية السعودية بأسس شديدة الوضوح على مدى العقود الماضية، لا تختلف مع انتقال سدة الحكم من الملك إلى الذى يليه. تنبع هذه الأسس من مصالح المملكة التي يقترب مخزونها النفطى من 265.78 بليون برميل، بحيث يمكنها الاستمرار فى الإنتاج حتى 100 سنة. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمملكة نحو 10 ملايين برميل يومياً، والعمل جارٍ من قبل شركة النفط الوطنية (ارامكو السعودية) لزيادتها إلى 12.50 مليون برميل يومياً. إن هذه الأسس تحافظ على أربعة مصالح استراتيجية على أعلى درجة من الأهمية للمملكة:

أولاً: إطالة عصر النفط لما يتجاوز التوقعات التقليدية.

والسبب الرئيسى وراء هذا يتمثل فى الاحتياط الضخم المتوفر للمملكة، الذي يشكل ربع الاحتياط العالمي. وتتمثل هذه السياسة فى المحاولات المستمرة لاستقرار الأسواق والأسعار لزيادة الثقة لدى المستهلك باستقرار القدرات النفطية ومنافسة سعر النفط لمصادر الطاقة البديلة ثم توسيع عمليات التسويق وتنوعها فى المناطق المستهلكة، بدءاً من الدول الصناعية فى الغرب، والانتقال تدريجياً إلى أسواق آسيا حتى وإن كانت ناشئة. وكذلك في تنوع المبيعات النفطية، وعدم الاكتفاء ببيع النفط الخام، بل أيضاً الاشتقاقات النفطية، إما من خلال تشييد مصافي التكرير داخل المملكة، أو بالمشاركة مع شركات عالمية تقع داخل الدول المستوردة، وذلك هو الحال مع أميركا والصين (حيث أصبحت المؤسسات النفطية تضم الآن المصانع البتروكيماوية).

ثانياً: توفير الدعم لـ «أرامكو السعودية» ممثلا فى الكوادر الوطنية

هى واحدة من أكبر شركات النفط على مستوى العالم، إن من حيث إمكانات الاستكشاف والتطوير أو المحافظة على مستوى إنتاج متقدم، أو مراقبة تقدم الأسواق والأسعار فى العالم ودرسها لطرح رؤية شاملة للتعامل معها، أو الدخول إلى مستوى البحوث التقنية. ويذكر أن «ارامكو» تأسست عام 1933 من قبل مجموعة من الشركات الأميركية ثم استكملت الحكومة السعودية قيمة أصولها عام 1980.

ثالثاً: الرابط الوثيق بين صناعة النفط بالسعودية مع بدء العلاقات السعودية الأمريكية

بعد لقاء الملك عبدالعزيز بن سعود مع الرئيس الأمريكى روزفلت فى عام 1945 استمرت العلاقة النفطية القوية بين أكبر دولة منتجة وأكبر دولة مستهلكة طوال هذه الفترة، وإن اختلفت المصالح النفطية في بعض الفترات، كما هو الوضع حالياً في المنافسة بين المشتقات البترولية التقليدية ذات التكلفة القليلة التي تنتجها السعودية والنفوط الغير تقليدية ذات التكلفة العالية (النفط الصخري والنفط المحصور الذى يتم إنتاجه بالولايات المتحدة).

رابعاً: توسيع شبكة الغاز الوطنية وزيادة طاقة المملكة منه

بعدم الاعتماد على الغاز المصاحب للنفط الخام فقط، بل اكتشاف حقول الغاز الحر أيضاً. والسبب واضح هنا. فالاستهلاك المحلي يزداد بنسب عالية جداً، ما يثير تساؤلات، في حال استمراره، عن إمكان الاستمرار في التصديرات الضخمة مستقبلاً. ويقدر الاستهلاك النفطي فيها بنحو 3 ملايين برميل يومياً، أو ثلث كمية الإنتاج في الوقت الحاضر. ومعدل الاستهلاك النفطي بازدياد سنوي عالٍ. فاكتشاف واستهلاك الغاز الحر في شكل أوسع في محطات الكهرباء وتحلية المياه والمصانع البتروكيماوية، سيعني الاحتفاظ بإمدادات وافية من النفط الخام للتصدير، وهو يشكل طبعاً المورد الرئيس لموازنة الدولة.

لكن، اكتشاف احتياطات أكثر من الغاز الحر لا يشكل الوسيلة الوحيدة لوضع سقف للاستهلاك. فتجب في الوقت ذاته، زيادة أسعار المنتجات البترولية في الأسواق الداخلية لترشيد الاستهلاك. وهذا تحدّ تواجهه السعودية ودول مصدرة أخرى في المنطقة. فزيادة الأسعار محلياً لها انعكاسات اجتماعية واقتصادية وسياسية يجب أخذها في الاعتبار، من هنا تردد كثير من الدول المصدرة في زيادة أسعار هذه المنتجات لتوازي الأسعار العالمية.

تواجه السعودية، كغيرها من الدول المصدرة الكبرى، تحدياً حقيقياً من قبل الأطراف التي تعمل لتحسين البيئة وخفض تلوثها. هذه الأطراف (دول ومجتمع مدني) تنسب التلوث لكثرة استهلاك المنتجات البترولية، فتحاول وإلى زيادة الاعتماد على الطاقة المستدامة والصديقة للبيئة بدلاً من النفط.

ومن الملفت للنظر أيضاً أن الدول البترولية المهمة تعد خارج إطار مجلس التعاون، بالرغم من ضرورة اهتمامها بتحديات القطاع، بخاصة محاولة الحفاظ على عصر النفط، تغض النظر عنها. وهذا الأمر ينطبق على العراق وإيران وفنزويلا. والعذر الوحيد لهذه الدول هو ظروفها السياسية والاقتصادية الشديدة التعقيد، لذا فإن أولوياتها مركزة على المشكلات والتحديات التى تتجدد باستمرار، بدلاً من مصالحها الاستراتيجية الكبيرة، ومن ثم الخلافات داخل منظمة «أوبك».

أود أن أتقدم بأحرّ التعازي لرحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي اتضحت في عهده ثوابت سهر على العناية بها كما اعتنى بالهيئات والعاملين على تطويرها وتنفيذها.

موقع بوابة النقد المالية